لحج نيوز/بقلم:مطهر الأشموري -
كانت أمام صدام حسين رئيس النظام العراقي فرص بل عروض قبل غزو العراق للإقامة في بلدان خارجية بحمايتها وضمانتها، ولكنه رفض ومات مع أولاده في العراق.
خلافاتنا مع النظام العراقي لديكتاتوريته أو لحمق غزوه الكويت لا تلغي مثل هذه الحقيقة أو تسحبها على حاكم أو نظام انتهى، خاصة وأن شاه إيران بالمقابل رفضت معظم بلدان العالم التي طلب منها أن يقيم فيها.
إذاً مثل احمد الجلبي الذي جاء للعراق على ظهر دبابة أميركية كمعارض باع آثاراً عراقية لإسرائيل، فمهما كانت ديمقراطية هذا البديل فهل هو البديل المرتجى وطنيا ولو بالحد الأدنى؟!!.
في الوطن العربي ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ظل مستوى من ديكتاتورية الأنظمة هو المشترك بينها ما عرفت بالقومية والتحررية أو الرجعية أو غير ذلك، وهذه الأنظمة - وإن باختلاف النسب - مارست الغلو في استخدام الوطن وثوابته أو المعايير الوطنية لقمع أو لاستهداف خصوم سياسيين، وذلك ما سيجعل أي هامش ديمقراطي متسعاً لاحقا يستخدم كرد فعل مضاد لفترة أو مرحلة، وذلك ما يمثل إضعافاً للقيم والوعي الوطني وللثوابت الوطنية.. الأساس الصائب ومستقبل الأصوب ألا يمارس غلو أهداف واستهدافات سياسية بهذه المعايير، وأن تظل هذه المعايير تفعل وتحترم ولا يقبل لا إضعافها ولا تجاوزها.
ربما عاش الكثير منا أوضاع أنظمة تمارس الغلو في الاستخدام للمعايير والثوابت الوطنية لأهدافها السياسية كأنظمة، ولكننا لا نستطيع تصور ولا فهم أن الديمقراطية هي ضد الأوطان في قيمها ومعاييرها..
لنا في اليمن تجربة نظامين في النصف الثاني للقرن الماضي نظام جمهوري قومي في صنعاء ومنذ هزيمة 1967م قوميا ظل يشكك في جمهوريته لعلاقته بالرجعية والإمبريالية، ونظام ثوري تقدمي في عدن وظل النظامان حتى تحقق الوحدة 1990م.
لا يمكننا القول بأن أياً من النظامين لم يمارس غلواً أو تجاوزات في المحاكمات والاستهدافات السياسية، ولكن الواضح هو أن النظام في عدن أفرط في غلو القمع والاستهدافات والمحاكمات السياسية بما لا يقارن مع نظام آخر، كما أن الفرار والنزوح السياسي مثل النسبة الأعلى، وذلك يستنتج فقط بإلقاء نظرة على الذين حوكموا وأعدموا كعملاء للسعودية.
الانتقال من هذا الغلو الديكتاتوري إلى تجربة ذات هامش ديمقراطي بأي قدر لا يعني النقلة إلى غلو الاتجاه المعاكس، لا يحترم قيم أوطان ولا يلتزم الحد الأدنى من المعايير والثوابت الوطنية، فغلو التطرف باسم الوطنية ليس لصالح الأوطان، وغلو التطرف ضد القيم والمعايير الوطنية يضر الأوطان.
إذا كان هروب طيار عراقي بأحدث طائرة “ميج” في ذلك الزمن والهبوط بها في إسرائيل لتفككها وتعرف أسرارها أو غير ذلك، إذا كان ذلك هو غلو في الرد على غلو النظام ديكتاتورياً؛ فإننا حين مقارنة الخطأين الآن أو في أي زمن نخطئ الطيار أكثر من النظام.
فالوطن والوطنية هي قضية مستقلة عن كل وأي صراعات في مرحلة أو مراحل، والنضال ضد أي مستوى من الديكتاتورية أو النضال الديمقراطي هو نضال وطني، يرتكز على قداسة الأوطان واحترام قيمها والتزام معاييرها، فإذا وجود أي قدر من الديكتاتورية لا يبرر التفريط بالأوطان ومعاييرها وأساس الديمقراطية وجوهرها، بل أساس مشروعيتها التزام معايير الأوطان ومراعاة مصالحها.
المواطن الأميركي يناصر حروبا أميركية في فيتنام أو العراق ربطاً بالمصلحة العليا أو الأمن القومي الأميركي، فإذا انتقالنا للديمقراطية هو تطور نوعي في الوعي النخبوي السياسي كأطراف أو أثقال سياسية، فلماذا لا تأخذ هذه النخبوية القدوة في احترام معايير وثوابت الوطن من أميركا اختيارياً، ويتحول تفعيل ذلك في ممارساتها إلى ترسيخ في الواقع لمثل هذه المعايير والقيم؟!!.
إذا أي نظام يقع في أخطاء أو يرتكبها فليس الخطايا علاجها بل أغطية وتغطية، وإذا أي نظام يمارس ما يؤدي أو يودي إلى فساد ذمم فالخطايا الأكبر إفساد أساسيات ومشمول القيم، وصولاً إلى هتك وتمييع قيم الانتماء الوطني والديني والأخلاقي، فالفساد مهما انتشر أو اشتهر يظل يربط بسلوك وقيم أفراد، فيما إفساد قيم ومعايير الانتماء الوطني المجتمعي تصبح من الثقافات ذات الربط بالمجتمع والسلوك الاجتماعي السياسي.
نخبة سياسية سعت لفرض وحدة شيوعية بالقوة لأن النظام في صنعاء “عميل للرجعية”، فإذا الوحدة تحققت سلمياً وديمقراطياً فالقضية المرحلة والمنظورة هي معالجة عمالة النظام للرجعية ووضع حد لها.
هل ما جرى في حرب 1994م كان محاكمة للعمالة ضد الرجعية، أم أن التقدمية اعتبرت الوحدة رهينتها في ظل قفز غلو متطرف لارتهان هذه التقدمية للرجعية؟!.
أول رئيس للنظام في صنعاء زار الولايات المتحدة الأميركية هو علي عبدالله صالح بعد إطاحة رئيسين وتصفية رئيسين، وذلك يوضح وضع النظام البعيد أو المستبعد في إطار استراتيجية الطرف الأميركي لصراع الحرب الباردة، بالمقابل فموسكو تتدخل لحل صراع داخل النظام، والحزب الأممي بعدن لتطلب مجيء وإقامة عبدالفتاح إسماعيل للإقامة بموسكو لأكثر من خمس سنوات، فإذا ثورة اكتوبر حين انتصارها بعد الهزيمة القومية 1967م لم تجد غير الخيار الأممي لتظل ثورة ونظاماً، فالنظام في صنعاء بعد هذه الهزيمة لم يكن أمامه غير خيار انتقال التعاون والتحالف مع السعودية أو الخيار الشيوعي، وهذا الخيار هو أسوأ ما عرف وعرفه الواقع، فسيرنا في الخيارات القومية والأممية في ظل واقعنا كان خيالات أكثر من خيارات.
بعد تحقق الوحدة ونشوء الأزمات المبكرة فما كان يعرف بالنظام في صنعاء، هو الذي عزل أقليميا ومورس تجاهه مستوى من الحصار من قبل أميركا، وفي ذروة الأزمات زار نائب الرئيس “آنذاك” علي سالم البيض الولايات المتحدة وعاد من باريس ليمارس الهيجان ولهجة التصعيد إلى حرب 1994م.
ومنذ ذلك الوقت وقبله بدأت المعارضة في بعض أثقالها النوعية تراهن على أميركا، أو تسعى لارتهان وتمارس العلاقة والتعامل المباشر مع السفارة الأميركية أو بأي مستوى من الإدارات الأميركية.
مثل هذا الالتقاط أو الاستعراض لم يعد للقياس من غلو إدانة كالعمالة، ولكنه عرض التطور ليلتقط الأهم فيه أو منه وعيا.
الصراعات التي ظلت داخل وعلى النظامين في صنعاء وعدن تؤكد أن تحقق الوحدة يعني تذويب نظام أو دمج النظامين في نظام، إن جاء التحقق بالقوة أو سلمياً وديمقراطياً، ولو لم تكن المؤثرات الخارجية حاضرة بقوة في فترة الأزمات لكان الاشتراكي قبل الاندماج مع المؤتمر كحزب سياسي ونظام سياسي، وبالتالي فالاشتراكي ظل الأكثر تأثراً وانجراراً للربط والارتباط بصراعات ومؤثرات الخارج دون إلمام بأبعاد والأبعد في صراعات الخارج، بما يجعله ضعيف الوعي خارجياً وفاقد الواقعية داخلياً.
المعارضة في مصر عرفت منذ عهد الحكم الملكي حين استعراض حالة كحزب الوفد أو شخصية كسعد زغلول، وإن هي تبلورت أكثر في خطوات الانفتاح الساداتي وزيارته لإسرائيل.
فالمعارضة في مصر عريقة في التجربة والخبرة والقدرات، وبالرغم من تقاطعات قضايا كبرى مع النظام كما زيارة إسرائيل والسلام والعلاقات مع إسرائيل، فالمعارضة المصرية لم تتجاوز في معارضة النظام إلى معارضة الوطن “مصر” بأي قدر مما يحدث في اليمن، ولهذا فالانتماء لمصر تظل القيمة الغالية العالية الغالبة لدى المصريين بمختلف ظروفهم وأنشطتهم واتجاهاتهم وميولاتهم.
إذا استرجعنا وضع قوة استثنائي لـ”الإصلاح” قبل الوحدة كإسلاميين وحملات مستمرة مكثفة من منابر الجوامع والصحف على التلفزيون بصنعاء، وما يقدمه من مياعة أو مستوى من الخلاعة، فسنجد أن التطورات والفضائيات يجعل وصف ما كان التلفزيون يقدمه بالمياعة مسألة تخجل، فانعدام واقعيتها وفقدانها للوعي كل ذلك لم يسبب للنظام أو الإعلام والوزير “اللوزي” مشكلة مؤرقة أو مقلقة، ويصبح الأهم هو أن حزباً أو طرفاً سياسياً يركز ثقله وثقل جهده لنصف عقد أو أكثر من حياته لقضية خاسرة وهو الخاسر الأكبر فيها من خلال خياره بأفق ضيق أو وعي ضعيف.
فهذا الطرف السياسي كان نظاماً داخل النظام ويعارض النظام، وحجم الغلو أو ارتفاعه لديه أضعف واقعيته وأفقده الكثير من الوعي، وهو الذي - بحسب الآن- من أخطأ وعليه الإقرار.
إذا طرف وحين كان نظاماً يحكم مارس الغلو تجاه أي خصوم سياسيين وفي خلافات سياسية من خلال المعايير الوطنية، فتوسع في إدانات العمالة والتخوين والمحاكمات والإعدامات والتصفيات، فإنه حين يصبح طرفاً معارضاً يمارس الإسقاط النفسي لما كان يعمله، ولهذا فهو يستهدف المعايير والثوابت الوطنية هتكاً وكسراً وتجاوزاً وتمييعاً ليفرض ذلك أمراً واقعاً، وحتى لا يمارس استهدافه من خلالها بمثلما كان يمارس كما يظن.
لسنا مع ديكتاتورية صدام حسين فهل نعتز بديمقراطية “الجلبي”؟!!.
هل نعتز بديكتاتورية الاشتراكي التي وحدت السلطنات بالقوة أم بديمقراطيته التي لا تلتزم بثوابت ومعايير الوطن والوطنية؟!!.
لو نجحت ديكتاتوريته ووحدت اليمن شيوعيا بالقوة لكان ذلك أفضل من وقوف أو مواقف ضد الوحدة في ظل الديمقراطية، أو أنها هي الديمقراطية!!.