لحج نيوز/بقلم:أسامة حسن ساري -
حتام على اليمن أن تلد رجالا بمقاييس إنسانية راقية.. فالأرض صلبة ترفض الاستسلام والهزيمة.. وإن لم تلد اليوم فغدا.. لكن حتى ذلك الحين يتوجب على الوطن مواجهة مصير مخيف نتيجة السقوط والانهيارات المتتالية للنخب الحاكمة والمتسلطة وللنخب السياسية أو المثقفة، في حصاد مر لبضع عقود من الزمن صرفوها في الانقضاض على مصالح الوطن وترميز أسمائهم وتوسيع دائرة الظلم والقهر والاضطهاد، فهم كثيرا ما تشدقوا باسم الوطنية والديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن ابتساماتهم جسدت حالة الاستذءاب والتعاطي النخبوي مع كل قضية أو حدث على أساس مصلحة الخاصة دون العامة مستخدمين كل أدوات خلق الكراهية والأحقاد.. فالتآكل المتسارع الذي يتعرض له الوطن اليوم، ليس إلا نتيجة سقوط تلك النخب إلى الأعلى.. وهو أسوأ أنواع السقوط ، أن يسعى القائمون وأعوانهم في الأحزاب السياسية والرموز الاجتماعية إلى التدرج والارتقاء في الثروة ومراكز القرار على حساب أبناء الشعب.. فالطريق إلى الأعلى كان سقوطا لأنهم سلكوه بلا قيم أو ثوابت، أو أخلاق،..
بلا شك يعلم الجميع كيف أصبح الشيخ وزيرا أو برلمانيا وقاطع الطريق قائد لواء أو محافظاً.. بل نعلم جميعا كيف أن هؤلاء المفلسين من كل شيء، سقطوا إلى أعلى المناصب بأساليب قذرة مستمدة من سياسة الإستقواء بالخارج والتآمر على مصلحة الوطن و المواطن.. وعوضا عن اللجوء إلى الوساطات الداخلية لبلوغ المآرب، صار بعض المختصين يلجأ إلى الوساطات السعودية أو الأمريكية ليسقط بشكل أكبر ويحمل صفة وطني مسئول.. سيان بين الصغير والكبير في هؤلاء الساقطين إلى الأعلى.. بعد أن استنفدوا أدواتهم المهينة في تنمية مصالحهم وتوسيع نفوذهم بتمزيق المجتمع وصناعة الطائفية الدينية والطبقية الاجتماعية، وخلق حالات التناحر ودعم اللصوصية والبلطجة، انتقلوا إلى أدوات تمزيق الوطن وإثارة الفتن الفكرية والحروب الداخلية.
بعد أن انتهوا من امتصاص خيرات الوحدة الوطنية والقضاء على كل إيجابي في أوساط المجتمع، اتجهوا نحو تمزيق الوحدة، وكل صاحب قرار له فريقه الخاص وأدواته المستقلة للضغط على الداخل والخارج رافعين شعارات براقة وملفات قضايا حقوقية خلابة.. والمواطن اليمني –بسجيته- لم يتعلم من دروس الحياة، ولم يقتنع بعد، بأن الذي تعاطف بالأمس مع جوعنا وفقرنا فقدم لنا الطعام مسموماً، هو نفسه الذي يضمد اليوم جراحنا بالشوك.. هو نفسه الذي قال لا للتدخل الأجنبي في شئون اليمن وحصل على صالون وفيلا ورصيد ضخم ومرتبات بعشرة أسماء، نظير جهوده الجبارة في زعزعة أمن واستقرار البلاد، واستيراد تنظيم القاعدة من أفغانستان والسعودية إلى المحافظات اليمنية الشمالية والشمالية الشرقية، ثم إقناع المجتمع عبر مختلف قنوات التخاطب والتواصل بأن "تنظيم القاعدة" حقيقة مخيفة وليس وهما متضخما ومفضوحا يبرر لأمريكا وبريطانيا الدخول إلى اليمن عسكريا وتحويله إلى مستعمرات يهودية.
هؤلاء الذين سقطوا إلى الأعلى لم يكتفوا باستدعاء التدخل العسكري الأمريكي، ولا بسلب حقوق البسطاء وإقصاء الشرفاء ونهب ثروات اليمن وتجويع أهله.. بل خدموا المؤامرة الأمريكية بإخلاص لا يحسدون عليه.. فهيئوا الساحة اليمنية لتحويلها إلى مسرح ملائم للصراع الأمريكي والبريطاني مع الأوطان العربية والإسلامية.. ولم تكن أمريكا أو بريطانيا لتجرؤان على التدخل العسكري في شئون اليمن، لولا أن عمل الساقطون إلى الأعلى على إفقاد النظام توازنه، وفتح بؤرة حرب ظالمة في محافظة صعدة وإعاقة خطوات المصالحة، ووأد أي فرصة أمام الحوثي وأبناء صعدة لطرح خياراتهم وتبيين مواقفهم وتحديد مصيرهم بأنفسهم، بل اضطروهم إلى الخيار الوحيد الذي أتيح لهم "الدفاع عن النفس" لأن مشروعهم الثقافي القرآني يتجه نحو مناهضة الهيمنة الأميركية على اليمن وسائر الدول العربية والإسلامية وهذا المشروع الجهادي يتعارض مع مصالح المرتزقة والعملاء الذين يفكرون في شهواتهم فقط.. بالتالي نجح الساقطون إلى الأعلى في تدمير قوى الدولة واستدراجها إلى الانهيار الفعلي –وليس الوشيك- بالقضاء على قوتها العسكرية حتى انهارت.. ثم توسيع دائرة التعصب الاجتماعي ضد الحقيقة والقذف بالقوى الاجتماعية إلى المحرقة.. وكان ذلك تعزيزا لسياسات السلطة في نزع السلاح من المواطنين وتجريدهم من وسائل الدفاع عن النفس، بذريعة تهديد أمن واستقرار الوطن.. وكلها قرارات أمريكية وهولندية تعبر إلى أوساطنا متى شاءت لأن الساقطين إلى أعلى كتبوا نهاية نفوذهم ومصير أوطانهم ومواطنيهم بهذه الطريقة المخزية.. واعتبروها مصدر قوة وثراء.. تحت ذريعة مكافحة التطرف والعنف والإرهاب وتلطيخ سمعة المسلمين بكل صفة سيئة تطلقها أمريكا وإسرائيل.
وحالة فقدان التوازن وبدء السقوط إلى الأسفل، التي آل إليها النظام اليمني هي نتيجة حتمية لأفعاله الشريرة، وخبث سياساته المستوطن في نفوس رموزه ومقرري مصيره.
إنه أسوأ أنواع السقوط عندما يتجه البعض إلى تمييع قضية الوطن والإسلام، ويشري نفسه ابتغاء مرضاة البيت الأبيض أو السعودية.
أسوأ أنواع السقوط عندما نصدق أن تنظيم القاعدة ليس جزءا من النظام وليس ذراعا للأجهزة الاستخباراتية الأمريكية.. أسوأ أنواع السقوط أن نتقبل الهزيمة ونستمر في الانسياق وراء ثقافات رسمية أو طائفية دينية تكرس اليأس والاستسلام.
بل أسوأ أنواع السقوط كان عندما علق العرب والمسلمون آمالهم في تحقيق السلام على "أوباما" لأن اسم أبيه "حسين".. ونسوا الله تعالى، ونسوا أن اسم أبيهم "آدم" الذي سجدت له الملائكة، وها هم اليوم يتجرعون كؤوس تلك الآمال، مريرة، وهو مصير من أحاطت به خطيئته.
وآن الأوان ليحصد الناس نتائج التصفيق والانبهار بالساقطين إلى الأعلى وأعوانهم من العلماء المتشدقين باسم الدين وهم يبصمون بالعشر على قتل إخوانهم المؤمنين في شمال اليمن وجنوبه.. فالعقل حجة للتمييز.. وآن أوان حصاد نتائج الصمت تجاه أنهار الدماء المراقة ظلما وعدوانا في محافظة صعدة طيلة ست سنوات.. و"إن ربك لبالمرصاد".. "ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون".. وكلما ازداد التيار قوة كلما كان ارتطامه بالصخور أكثر عنفا وتكسرا.. وإذا كانت المرأة التي تبيع جسدها –رغم أنها تملكه- تسمى عاهرة.. فماذا نسمي أولئك الذين يبيعون الوطن بعلم وبغير علم؟!
[email protected]